الشيخ إبراهيم الحارثي وكارثة جدة – كلام يشفي الغليل

المقاطع التالية هي للخطبة التي خطبها الشيخ إبراهيم الحارثي حفظه الله وأكثر من أمثاله.

Advertisements

هذا هو التخلف بعينه – ولكن إلى متى؟

محتسبون مجهولون يحاولون تعطيل أنشطة المتطوعين لانقاذ منكوبي جدة بحجة الاختلاط..!

نشرت وكالة أخبار المجتمع السعودي في موقعها الإلكتروني في 4-12-2009 الخبر التالي:

بعد ساعات قليلة من نشر وكالة أخبار المجتمع السعودي لصور المتطوعين والمتطوعات لإغاثة منكوبي جدة, توجه عدد من الأشخاص المجهولين الذين وصفوا أنفسهم بالمحتسبين (بشكل غير رسمي) لأماكن تواجد أفراد الحملات التطوعية محاولين التشويش عليهم وتعطيل أعمالهم بحجة ما وصفوه بالاختلاط.

وفي السياق ذاته أصدر أمس (الخميس) مجموعة ممن يصفون أنفسهم بالدعاة وطلبة العلم بياناً ذكروا فيه أن (الذنوب والمعاصي) من أسباب الكارثة التي خلفت الدمارفي جدة, وقد لوحظ أن من بينهم (قضاة وكتاب عدل) وهم بذلك ينتسبون إلى الفئة التي من المتوقع أن يُستدعى أفراد منها للتحقيق على خلفية منح صكوك الأراضي للمواطنين وتجار العقار في مجاري السيول والأودية مما تسبب في تدمير المنازل التي بنيت عليها. (انتهى)

إننا فعلاً نعيش في زمان مليء بالمتناقضات، ففي الوقت الذي يعمل فيه هؤلاء الشبان والشابات من المتطوعين لكي يسعفوا المتضررين من ضحايا سيل الأربعاء (أو بالأحرى سيل الفساد) يأتي هؤلاء المحتسبون ليقفوا عائقاً أمامهم بحجة أن هنالك اختلاط. إنه والله لهو التخلف بعينه … ولا أعرف كيف يفكر هؤلاء القوم (إن كانوا يفكرون أصلاً) وكيف يستطيعون التمييز بين ما هو مهم وما هو أهم. ففي سبيل منع الاختلاط (وهو داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودرء المفاسد) يمكننا أن نحرم المنكوبين من الفقراء والأرامل والأيتام وغيرهم من الضحايا حتى من وصول المساعدات. فليموتوا جوعاً وقهراً طالما أننا استطعنا درء مفسدة كبيرة ومنع اختلاط هذا الفئة الضالة من المتطوعين والمتطوعات الذين سخروا جهودهم وأوقاتهم وأموالهم في إغاثة المنكوبين والضعفاء. ولو كان لدى هؤلاء المتشدقون بالدين أقل معرفة بدينهم لعرفوا أن ديننا دين السلام ودين إغاثة الملهوف ودين الأخلاق قبل كل شيء. ولو أنهم فهموا أقل ما يمكن فهمه في فقه الأولويات (على افتراض أن الاختلاط المذكور هو اختلاط محرم) لعرفوا أن إغاثة هؤلاء المنكوبين مقدمة على كل شيء ولها الأولوية الأولى. ولكن لقد أسمعت إذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.

ألم يكن الأحرى بهؤلاء الجهلة أن يمدوا يد العون لهذه الكوكبة من المتطوعين ويساعدوهم في أداء مهمتهم النبيله بدلاً من إعاقتهم؟!! إلى متى سيبقى هؤلاء يلعبون دور من منحت له السماء حق الوصاية على أهل الأرض؟ لماذا لم نسمع أصوات هذه الفئة (ممن يسمون أنفسهم بالمحتسبين) تعلو في وجه الفساد والمفسدين من أصحاب السلطة والسلطان؟ أم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له خطوط حمراء لا يمكن أن تقطع؟ لوكان هؤلاء الجهلة صادقين في مسعاهم لمحاربة الفساد والرذيلة لكانوا حاربوا الفساد والمفسدين بكافة أنواعهم وأشكالهم وسلطاتهم دون أن يخافوا في الله لومة لائم. ولكن تغيير المنكر سواء باليد أو اللسان أو القلب يعتمد عندهم على مدى قوة الشخص الذي يمارس المنكر، وكما يقولون بالعامية (من خاف سلم).

قصيدة فلسفة الحياة – رائعة من روائع إيليا أبو ماضي

أيـــهــذا الشــاكي ومــا بــك داء
كـــيف تــغدو اذا غــــدوت عليلا

ان شــر الجــناة في الارض نفس
تتـــوقى قـــبل الرحـــيل الرحيلا

وترى الشوك في الورود وتعمى
ان تــرى فـــوقها الــندى اكليلا

هــو عبء عـلى الحـياة ثـقــيل
مـن يـظـن الحـياة عــــبئاً ثقيلاً

والـذي نـفــسه بغـــير جـــمال
لا يــرى في الوجــود شيئاً جميلا

ليس أشقى ممن يرى العيش مراً
ويــظـــن الــلذات فيها فــضولا

أحـــكم الـناس في الحـياة أناس
عـللــوها فأحـــــــــسنوا التعليلا

فـتــمتع بالصــبح ما دمــــــت فيه
لا تخف أن يزول… حتى تزولا

واذا مــــا أظـــل رأســــك هـــمٌ
قصر البحث فيه … كيلا يطولا

أدركـــت كــنهها طـيور الروابي
فمـن العــار أن تظــل جــــهولا

ما تـراها والحــقل ملك سواها
أتخــــذت فيه مسرحا ومقيلا!

تـتـغـنى .. والصقر قد ملك الجو
عــلــــيها – والصائدون – السبيلا

تـتغــنى… وقد رأت بعضها يؤخذ
حـــياً والــبعض يــقضي قـــــتيلا

تـتـغنى… وعــــمرها بعض عام
أفـــتـبكي وقد تـعيــــــــش طويلا؟

فـــهي فوق الغصون في الفجر تتلو
ســـور الـوجد والــهوى ترتـــــــيلا

وهـي طــوراً على الثرى واقعات
تـــلقــط الحــــــب أو تجر الذيولا

كــلما أمســك الغصون سكون
صفـقت للــغــصون حتى تميلا

فاذا ذهـــب الأصــيل الروابي
وقفــت فوقــها تناجي الأصيلا

فاطلب اللهو مثلما تطلب الأطيار
عـــند الــهجـــير ظــلاً ظـــليلا

وتــعـلم حب الطــبـيعة منها
واترك القال للورى والقيلا

فالذي يـــبتغي العواذل يـــلقى
كل حين في كل شخص عذولا

كـــن هزاراً في عشه يتغنى
ومـع الكــــبل لا يبال يالكبولا

لا غـــراباً يطــارد الدود في الأرض
وبـــوماً في اللـــيل يبــكــي الطلولا

كـن غديراً يسير في الأرض رقرا قا
فيــسقي من جانــبيه الحـــــــــــقولا

تــستحـم النــــجوم فـيه ويـــلـــقى
كـــــل شـــخص وكل شيء مثيلا

لا وعــــاء يقذر الماء حتى
تستحيل المياه فيه وحولا

كــن مع الفجر نسمة توسع
الأزهار شـــماً وتارة تقبيلا

لا سموماً من السوافي اللواتي
تملأ الأرض في الظلام عويلا

ومـــع الليل كوكبا يــؤنس الغابات
والــنهر والربــى والســــــهولا

لا دجــى يكـــــــره العوالم والناس
فيـــــلقي عــلى الجـــميع سدولا

أيها ذا الشاكي وما بك داء
كن جميلا تر الوجود جميلا

لماذا هذا الفرق بيننا وبينهم؟

من ضمن تلك الأسئلة الكثيرة التي تجول في خاطري، كان ذلك السؤال الملح الذي قعدت مراراً وتكراراً أفكر في أن أجد له جواباً مقنعاً. والسؤال هو: رغم أن الإنسان الغربي يتمتع بكل ما هو متاح من أنواع المتع والشهوات كالجنس والمشروبات الكحولية والسهرات والمراقص والأندية الليلية والمجلات والأفلام الإباحية والدعارة المنظمة وجميع تلك المحظورات التي نعتبرها نحن المسلمين مفسدات للدين والدنيا، والتي من المفترض أن تؤدي إلى انغماسه (أي الإنسان الغربي) في شهواته وملذاته وبالتالي فإن النتيجة الطبيعية (كما كنت معتقداً) أنه سيسقط في وحل التخلف وانعدام القيم والجهل والضلال، وبالتالي لن تقوم له قائمة ولن يستطيع أن يواكب الأمم المتحضرة أو أن يكون له دور يذكر في دفع عجلة التطور. إلا أن كل ذلك لم يحصل ؟!!!! فبالعكس، إني أرى أن الإنسان الغربي لديه من القيم ما لم أره في العديد من مجتمعاتنا العربية. نعم هذه حقيقة، ففي المجتمعات الغربية تجد أن قيم العمل مثل الجدية والدقة واحترام المواعيد … إلخ لها أهمية كبيرة وتجد احتراماً كبيراً من الإنسان الغربي (بالرغم أن الغربي على عكس العربي لا يؤمن كثيراً بالقيم الدينية كمحرك رئيسي لحياته) لكننا نحن العرب والمسلمين نعي ونفهم أن ديننا قد جاء بأسمى القيم الإنسانية ولكننا بالرغم من ذلك مازلنا لانلتزم بها، وبالأخص تلك التي تحضنا على العلم والعمل وإعمار الأرض. إذاً أين يكمن الخلل؟ كيف يستطيع الغربي أن يوفق ويوازن بين الجدية والمتعة ولا يستطيع العربي ذلك؟ كيف يستطيع الغربي الذي لا يهتم بالدين (وفي كثير من الحالات لا يؤمن بالآخرة) أن يتمسك بكل تلك القيم التي صعدت به تمسكاً قوياً، بينما لا يزال العربي (والذي يدعى ليلاً ونهاراً بأنه ينتمى لحضارة إسلامية عريقة جاءت بأفضل القيم الدينية والدنيوية) ساقطاً في بئر التخلف والضلال والرجعية والأهم من ذلك التبعية العمياء للغربي؟

لاشك أن السؤال ليس سؤالاً سهلاً يمكن الإجابة عليه بصح أو خطأ أو نعم أو لا، إنه سؤال متشعب ذو أبعاد عدة ويتطلب تحليلاً عميقاً وقد يخضع لوجهات نظر عديدة. فلا يمكننا أن نحصر الأسباب في قائمة قصيرة حيث أن الفارق بين الغربي والعربي ليس فقط في النقطة، إنه فارق له أسباب تاريخيه وله تفسيرات أخرى فلسفية وثقافية وسياسية أيضاً. وحيث أني مؤمن بأن الإنسان هو محور الكون وهو صاحب الإرادة الحقيقة في التغيير والتطوير، فإني أحببت أن أنظر إلى هذه القضية من جانب واحد وهو جانب الإنسان. وجعلت أفكر وأفكر إلى أن هداني الله تعالي إلى الشخص الذي وجدت عنده ضالتي. ذاك هو العلامة المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود الذي أجاب على تساؤلاتي دون اتصال بيننا. فعندما كنت أقرأ أحد كتيباته القيمة وهو بعنوان (هل هو عصر الجنون) وجدت أن الدكتور مصطفى محمود قد تطرق إلى هذا الموضوع الذي شغل بالي طويلاً وأعطاه بعداً فلسفساً عجيباً لم أسمع به من قبل. ولكم ما ذكره الدكتور بالنص:

” لا شك أنهم يفكرون بطريقة مختلفة ويرون الدنيا بمنظار مختلف .. وكنت ما زلت أسير بالحركة البندولية البطيئة وأتساءل .. ما هو الفارق بالضبط بيننا وبينهم .. ومن منا على الخطأ ومن منا على الصواب إن كان هناك خطأ وصواب. قلت .. أنا أعلم على الأقل شيئاً عن نفسي .. وكيف أفكر كرجل شرقي. لا شك أن مساحة العاطفة والخيال عندنا أوسع نحن الشرقيين ونحن نستشير عقولنا ونرتجل أكثر مما نخطط. وعن نفسي .. فأنا لا أحتفل باللحظة كثيراً .. وأحياناً لا أعيش اليوم وإنما أتخطاه وأسكن بخيالي في المستقبل وأعيش في هموم الموت وما بعد الموت. ولست وحدي في ذلك الهم فالمصريون القدامى بنوا للموت أهراماً لم يبنوا مثلها للحياة وعاشوا وغنوا وكتبوا الشعر والأناشيد لعالم ما بعد الموت .. وكانو أسرع الناس إلى تلقف المسيحية ثم الإسلام لأنه حدثهم عن الإله الواحد الذي عبدوه وحدثهم عن الموت ومابعده وقال لهم إن الدنيا مجرد مزرعة للآخرة وإن حياة الآخرة هي الحياة الحقة التي لها الدوام .. وإن الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر وإنها متاع الغرور .. فاستجابوا لهذا الكلام بكل نفوسهم لأن تلك كانت فطرتهم التي جبلوا عليها وعاشوا بها آلاف السنين ..

بينما كان الإنسان الأوروبي إنساناً مختلفاً .. لم ينظر الأوروبي أبداً بهذا المنظار للدنيا ولم يعش في هم الموت وما بعده .. وإنما كان دائماً مهموماً بلحظته يحاول أن يعيشها كأعرض وكأحفل ما تكون باللذة والألم .. وكان يستشير عقله قبل عاطفته ويخطط ولا يترجل .. ويعيش للواقع ولا يحفل بالغيب. ولهذا كنت تراه دائماً ناهضاً بالخطوة السريعة إلى العمل حريصاً على قطف الثمر مسارعاً إلى الاستمتاع بيوم العطلة بلا حدود ودون التفات إلى حرام أو حلال ودون توقف عند ما تنذر به الكتب من عذاب وعقاب في الآخرة .. فلا حقيقة في نظره سوى هذه الحياة وليس بعدها شيء وليس وراءها شيء.

وكانت فضائله هي فضائل العمل فهو إنسان صادق ملتزم يحترم الكلمة والطابور والقوانين المدنية وإشارات المرور لأن هذه الأخلاقيات هي الوسيلة المثلى للانتفاع بالحاضر واستثمار اللحظة وليس لأن هذه الأخلاقيات هي الوصايا العشر التي أمر بها الرب .. فهو أخلاقي لأسباب اتنهازية وليس لأسباب دينية .. وهي أخلاقيات نقابة وتبادل منافع وانضباط عمل. وهذا التركيز بلا حدود على استثمار الحاضر بدون مخاوف دينية وبدون هموم مستقبلية هو الذي أثمر هذه الحظوظ الدنيوية الوافرة في كل شيء.

ولو فهمنا نحن الدين فهماً صحيحاً لما كنا أقل منه حماساً لاستثمار الحاضر ولكانت عقولنا أكثر منهم انطلاقاً لنزرع ونحرث في مزرعة الدنيا أكثر لنحصد في الآخرة أكثر فالإسلام دين علم وعمل وعقل. ولكن الدين جاء في خيال الأكثرية مقترناً بالزهد ورفض الدنيا والكسل واتهام العلم والحياة في خوف وانزواء في صومعة والعزلة والسلبية والرهبانية والتعبد الخاوي. لقد أخطأوا فهم الدنيا وأخطأنا فهم الدين. وتحالفت فروق الطقس على مضاعفة الفوارق وتوكيدها فظهرت هذه السلوكية الأوروبية النشطة الناهضة بهمة وإيجابية إلى النفع والانتفاع في مقابل السلوكية الشرقية الزاهدة المتراخية الكسولة القانعة الخاملة الرافضة المنعزلة المنطوية في تأمل خاو. كلانا مريض منحرف.”

رحم الله الدكتور مصطفى محمود، فهذا تحليل يوضح الكثير من اللبس، نعم، لقد أخطأوا فهم الدنيا وأخطأنا فهم الدين. وكانت النتيجة أنهم (أي الغربيين) انتجوا حضارة مادية بحته لا روح فيها. بينما نحن الشرقيين عطلنا قيمنا الدينية والدنيوية وقعدنا عن العمل ونمنا في سبات عميق متلحفين بغطاء الزهد في الدنيا وطلب الآخرة وتناسينا أن ديننا يأمرنا بإعمار الأرض التي استخلفنا الله فيها. نعم، للأسف كلانا مريض منحرف.