لماذا هذا الفرق بيننا وبينهم؟

من ضمن تلك الأسئلة الكثيرة التي تجول في خاطري، كان ذلك السؤال الملح الذي قعدت مراراً وتكراراً أفكر في أن أجد له جواباً مقنعاً. والسؤال هو: رغم أن الإنسان الغربي يتمتع بكل ما هو متاح من أنواع المتع والشهوات كالجنس والمشروبات الكحولية والسهرات والمراقص والأندية الليلية والمجلات والأفلام الإباحية والدعارة المنظمة وجميع تلك المحظورات التي نعتبرها نحن المسلمين مفسدات للدين والدنيا، والتي من المفترض أن تؤدي إلى انغماسه (أي الإنسان الغربي) في شهواته وملذاته وبالتالي فإن النتيجة الطبيعية (كما كنت معتقداً) أنه سيسقط في وحل التخلف وانعدام القيم والجهل والضلال، وبالتالي لن تقوم له قائمة ولن يستطيع أن يواكب الأمم المتحضرة أو أن يكون له دور يذكر في دفع عجلة التطور. إلا أن كل ذلك لم يحصل ؟!!!! فبالعكس، إني أرى أن الإنسان الغربي لديه من القيم ما لم أره في العديد من مجتمعاتنا العربية. نعم هذه حقيقة، ففي المجتمعات الغربية تجد أن قيم العمل مثل الجدية والدقة واحترام المواعيد … إلخ لها أهمية كبيرة وتجد احتراماً كبيراً من الإنسان الغربي (بالرغم أن الغربي على عكس العربي لا يؤمن كثيراً بالقيم الدينية كمحرك رئيسي لحياته) لكننا نحن العرب والمسلمين نعي ونفهم أن ديننا قد جاء بأسمى القيم الإنسانية ولكننا بالرغم من ذلك مازلنا لانلتزم بها، وبالأخص تلك التي تحضنا على العلم والعمل وإعمار الأرض. إذاً أين يكمن الخلل؟ كيف يستطيع الغربي أن يوفق ويوازن بين الجدية والمتعة ولا يستطيع العربي ذلك؟ كيف يستطيع الغربي الذي لا يهتم بالدين (وفي كثير من الحالات لا يؤمن بالآخرة) أن يتمسك بكل تلك القيم التي صعدت به تمسكاً قوياً، بينما لا يزال العربي (والذي يدعى ليلاً ونهاراً بأنه ينتمى لحضارة إسلامية عريقة جاءت بأفضل القيم الدينية والدنيوية) ساقطاً في بئر التخلف والضلال والرجعية والأهم من ذلك التبعية العمياء للغربي؟

لاشك أن السؤال ليس سؤالاً سهلاً يمكن الإجابة عليه بصح أو خطأ أو نعم أو لا، إنه سؤال متشعب ذو أبعاد عدة ويتطلب تحليلاً عميقاً وقد يخضع لوجهات نظر عديدة. فلا يمكننا أن نحصر الأسباب في قائمة قصيرة حيث أن الفارق بين الغربي والعربي ليس فقط في النقطة، إنه فارق له أسباب تاريخيه وله تفسيرات أخرى فلسفية وثقافية وسياسية أيضاً. وحيث أني مؤمن بأن الإنسان هو محور الكون وهو صاحب الإرادة الحقيقة في التغيير والتطوير، فإني أحببت أن أنظر إلى هذه القضية من جانب واحد وهو جانب الإنسان. وجعلت أفكر وأفكر إلى أن هداني الله تعالي إلى الشخص الذي وجدت عنده ضالتي. ذاك هو العلامة المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود الذي أجاب على تساؤلاتي دون اتصال بيننا. فعندما كنت أقرأ أحد كتيباته القيمة وهو بعنوان (هل هو عصر الجنون) وجدت أن الدكتور مصطفى محمود قد تطرق إلى هذا الموضوع الذي شغل بالي طويلاً وأعطاه بعداً فلسفساً عجيباً لم أسمع به من قبل. ولكم ما ذكره الدكتور بالنص:

” لا شك أنهم يفكرون بطريقة مختلفة ويرون الدنيا بمنظار مختلف .. وكنت ما زلت أسير بالحركة البندولية البطيئة وأتساءل .. ما هو الفارق بالضبط بيننا وبينهم .. ومن منا على الخطأ ومن منا على الصواب إن كان هناك خطأ وصواب. قلت .. أنا أعلم على الأقل شيئاً عن نفسي .. وكيف أفكر كرجل شرقي. لا شك أن مساحة العاطفة والخيال عندنا أوسع نحن الشرقيين ونحن نستشير عقولنا ونرتجل أكثر مما نخطط. وعن نفسي .. فأنا لا أحتفل باللحظة كثيراً .. وأحياناً لا أعيش اليوم وإنما أتخطاه وأسكن بخيالي في المستقبل وأعيش في هموم الموت وما بعد الموت. ولست وحدي في ذلك الهم فالمصريون القدامى بنوا للموت أهراماً لم يبنوا مثلها للحياة وعاشوا وغنوا وكتبوا الشعر والأناشيد لعالم ما بعد الموت .. وكانو أسرع الناس إلى تلقف المسيحية ثم الإسلام لأنه حدثهم عن الإله الواحد الذي عبدوه وحدثهم عن الموت ومابعده وقال لهم إن الدنيا مجرد مزرعة للآخرة وإن حياة الآخرة هي الحياة الحقة التي لها الدوام .. وإن الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر وإنها متاع الغرور .. فاستجابوا لهذا الكلام بكل نفوسهم لأن تلك كانت فطرتهم التي جبلوا عليها وعاشوا بها آلاف السنين ..

بينما كان الإنسان الأوروبي إنساناً مختلفاً .. لم ينظر الأوروبي أبداً بهذا المنظار للدنيا ولم يعش في هم الموت وما بعده .. وإنما كان دائماً مهموماً بلحظته يحاول أن يعيشها كأعرض وكأحفل ما تكون باللذة والألم .. وكان يستشير عقله قبل عاطفته ويخطط ولا يترجل .. ويعيش للواقع ولا يحفل بالغيب. ولهذا كنت تراه دائماً ناهضاً بالخطوة السريعة إلى العمل حريصاً على قطف الثمر مسارعاً إلى الاستمتاع بيوم العطلة بلا حدود ودون التفات إلى حرام أو حلال ودون توقف عند ما تنذر به الكتب من عذاب وعقاب في الآخرة .. فلا حقيقة في نظره سوى هذه الحياة وليس بعدها شيء وليس وراءها شيء.

وكانت فضائله هي فضائل العمل فهو إنسان صادق ملتزم يحترم الكلمة والطابور والقوانين المدنية وإشارات المرور لأن هذه الأخلاقيات هي الوسيلة المثلى للانتفاع بالحاضر واستثمار اللحظة وليس لأن هذه الأخلاقيات هي الوصايا العشر التي أمر بها الرب .. فهو أخلاقي لأسباب اتنهازية وليس لأسباب دينية .. وهي أخلاقيات نقابة وتبادل منافع وانضباط عمل. وهذا التركيز بلا حدود على استثمار الحاضر بدون مخاوف دينية وبدون هموم مستقبلية هو الذي أثمر هذه الحظوظ الدنيوية الوافرة في كل شيء.

ولو فهمنا نحن الدين فهماً صحيحاً لما كنا أقل منه حماساً لاستثمار الحاضر ولكانت عقولنا أكثر منهم انطلاقاً لنزرع ونحرث في مزرعة الدنيا أكثر لنحصد في الآخرة أكثر فالإسلام دين علم وعمل وعقل. ولكن الدين جاء في خيال الأكثرية مقترناً بالزهد ورفض الدنيا والكسل واتهام العلم والحياة في خوف وانزواء في صومعة والعزلة والسلبية والرهبانية والتعبد الخاوي. لقد أخطأوا فهم الدنيا وأخطأنا فهم الدين. وتحالفت فروق الطقس على مضاعفة الفوارق وتوكيدها فظهرت هذه السلوكية الأوروبية النشطة الناهضة بهمة وإيجابية إلى النفع والانتفاع في مقابل السلوكية الشرقية الزاهدة المتراخية الكسولة القانعة الخاملة الرافضة المنعزلة المنطوية في تأمل خاو. كلانا مريض منحرف.”

رحم الله الدكتور مصطفى محمود، فهذا تحليل يوضح الكثير من اللبس، نعم، لقد أخطأوا فهم الدنيا وأخطأنا فهم الدين. وكانت النتيجة أنهم (أي الغربيين) انتجوا حضارة مادية بحته لا روح فيها. بينما نحن الشرقيين عطلنا قيمنا الدينية والدنيوية وقعدنا عن العمل ونمنا في سبات عميق متلحفين بغطاء الزهد في الدنيا وطلب الآخرة وتناسينا أن ديننا يأمرنا بإعمار الأرض التي استخلفنا الله فيها. نعم، للأسف كلانا مريض منحرف.

Advertisements

حول Asim Danish
I am a management consultant and an entrepreneur who loves business development and strategic management issues I have a strong passion to make a difference in the lives of others. I coach people, I love life, I seek knowledge, and I search for meaning. My Personal Mission Statement: To learn, to live my values, to enjoy life, and to elevate the lives of others.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: