يا رب أنت احق أن تُحمد وأن تُعبد

الحمد لله .. عبارة نرددها كل يوم في صلواتنا وفي كثير من مواقف الحياة .. عبارة لطالما احتوت على معاني جميلة قد لاندركها بالكامل إلا في أوقات الشدة وأحياناً في أوقت الرخاء. السبب الذي جعلني أن أفكر في كتابة هذه التدوينة هو أنني تأملت في النعم التي أنعم الله بها علي فوجدتها أكثر بكثير مما أجده أمامي من نعم ظاهرة. هنالك نعم قد لايدركها الانسان إلا إذا هداه الله إليها ..

الحمد لله على نعمة الحياة فالحياة نعمة ولولاها لما كنت موجوداً وما كنت تنعمت بنعم الله الكثيرة

الحمد لله الذي خلقني إنساناً وفضلني على غيري من المخلوقات وأعطاني عقلاً أفكر به

الحمد لله على الحرية التي وهبني إياها فأنا أتمتع بحق الاختيار وأنا مخير في كثير من أموري

الحمد لله الذي خلقني مسلماً ولم يخلقني مجوسياً أو مشركاً به

الحمد لله الذي شاء أن أولد في أطهر البقاع (مكة المكرمة) وبين مكان ولادتي والكعبة أمتار معدودات .. ولم أولد في بلاد بعيدة لاتمت للإسلام بصلة

الحمد لله الذي خلقني أتكلم بلسان عربي .. لسان القرآن ولسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .. فكان من السهل علي أن أفهم القرآن والسنة

الحمد لله الذي اختار لي أبي واختار لي أمي واختار لي اخوتي واختار لي زوجتي واختار لي أولادي ولو كان الخيار لي لما استطعت أن اختار أفضل مما اختار لي الله

الحمد لله الذي وفر لي سبل التعلم وهداني للعلم والمعرفة وفضلني على كثير من خلقه ممن لم تتاح لهم فرصة التعلم

الحمد لله الذي تكفل برزقي بدون عناء مني فأنا مطمئن أن رزقي ليس بيدي ولا بيد أحد من الناس بل هو بيد من يرزق الطير في السماء والسمكة في الماء والجمل في الصحراء

الحمد لله الذي عندما حرم علي شيء أعطاني له بدائل أخرى كثيرة

الحمد لله الذي يشكرني حين أشكره ويغفرلي حين أكفره

الحمد لله الذي وفر لي الدواء عندما ابتلاني بالداء

الحمد لله الذي هداني بالفطرة إلى البحث عنه ومعرفته

الحمد لله الذي جعل له علامات في كل مكان أعرفه من خلالها

الحمد لله الذي شاء أن يوجدني في هذا العصر عصر تكنلوجيا المعلومات والاتصالات

يارب أنت أحق أن تُحمد وأنت أحق أن تُعبد

في البحث عن الذات

من أنا؟

يعتبر هذا السؤال من أهم الأسئلة بل في اعتقادي أهم سؤال يجب أن يسأله الإنسان لنفسه وأن يسخر كل طاقاته للإجابة عليه .. لماذا؟ لأنه سؤال مصيري .. سؤال تترتب عليه أمور أخرى مصيرية كتحديد رسالة الإنسان في هذه الحياة ورؤيته وأهدافه.

لقد خلق الله الإنسان في هذه الدنيا وكرمه أيما تكريم حين نفخ فيه من روحه واستخلفه في أرضه وأمره أن يعمرها وأن يعبده فيها ولا يشرك في عبادته أحداً .. كما سخر له كل ما في الأرض وجعله تحت إمرته. فالطبيعة وكل ما فيها من موارد مسخرة لخدمة الإنسان في العيش على الأرض وإعمارها.

ومن حكمة الله تعالى أنه خلق الناس متفاوتين في قدراتهم ومهاراتهم وميولهم وسلوكياتهم. وكنتيجة لهذا التفاوت أصبح لكل منا دور يمارسه في الحياة. فالطبيب يعالج المرضى والطيار يسافر بالناس والمهندس يرسم ويخطط ويشيد المباني . والدليل على أن هذا التفاوت والاختلاف في الغايات هو سنه من سنن الله تعالى في خلقه هو قوله تعالى في سورة الليل (إن سعيكم لشتى) وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).

قد يتسائل البعض عن أهمية أن يكون للإنسان دراية تامة وإدراك بدوره في الحياة وهو سؤال وجيه ولكن قبل أن أجيب عليه يجب أن القي الضوء على نقطة هامة وهي أن الإنسان العاقل (من وجهة نظري الشخصية) تدفعه الفطرة إلى التسائل عن سبب وجوده في هذه الدنيا وما هو دوره فيها وماذا يجب أن يفعل. فلو فكرنا في الموضوع جيداً لوجدنا ان الله سبحانه وتعالى لم يخلق السماوات والأرض إلا لحكمة، قال تعالى (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) وقال تعالى مثبتاً أن خلقه للإنسان هو لحكمة (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون). إذاً فالأحرى بكل واحد منا أن يتعرف على الغاية من وجوده وهو صلب موضوع اكتشاف الذات … من أنا؟ ولماذا أنا موجود؟ وماذا يجب علي أن أفعل؟.

قد يختلف معي أحدهم حول حجم الأهمية التي أعطيها لهذا الأسئلة ويقول لي ببساطة أن الله خلقنا من أجل عبادته فحسب والدليل هو قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). وجوابي هو أن هذا الكلام صحيح ولكن، ألم يستخلفتا الله في الأرض ويأمرنا بإعمارها؟ وإذا كان الجواب هو نعم (وهو بالطبع كذلك) فإذن كيف لي أن أعرف ماذا يجب أن أفعل لأقوم بدوري في إعمار الأرض؟ هذا هو السؤال الذي يتطلب أن يبحث له كل واحد منا عن جواب في أعماق ذاته.

كيف أكتشف ذاتي؟

رحلة أكتشاف الذات تتطلب الإجابة على سؤال أولي وبسيط وهو ما المقصود بالذات؟ الذات حسب تعريف الدكتور بشير صالح الرشيدي في كتابه (اكتشف ذاتك) هي الإنسان بكليته.  ويعرفها البعض الآخر بأنها الصورة التي  يعرف بها الإنسان نفسه. وقد أعجبني تعريف آخر قرأته في أحد المدونات وهو يقدم ذات الإنسان على أنها نظرة الانسان عن نفسه وقداراته ومهاراته التي نتجت عن الخبرات التي كونها والتجارب التي مر بها، وهي انعكاس لكل ما بداخل الإنسان وهي تمثل وجهته  في الحياة وقدراته وطموحاته.

بمعنى آخر أكثر سهولة، ذات الإنسان هي الصورة الكلية للإنسان التي يعرف بها نفسه وهي تتكون من جسمه ونفسه وقدراته ومهاراته وخبراته … إلخ. وأريد أن أنوه هنا إلا أن الكيفية التي ينظر بها الإنسان إلى ذاته (أو الصورة الكلية له) تعتبر في غاية الأهمية. فهل هو ينظر إلى ذاته باحترام أم أنه يزدريها؟ هذا موضوع آخر لا أريد أن أناقشه في هذا المقال وقد أخصص له مقال آخر.

ووفقاً للدكتور بشير صالح الرشيدي فإن الإنسان لكي يكتشف ذاته فهناك ثلاثة أبعاد يمكن أن يستخدمها وهي:

  1. الغايات: وهي عبارة عن الصورة الذهنية التي يرسمها الإنسان لنفسه ويسعى لتحقيقها ويتم تحديدها بسؤال ماذا أريد ان أحقق؟
  2. الإنجازات: وهي تلك الغايات التي حققها الإنسان في حياته. تلك الإنجازات التي أعطته الخبرة وساعدته على معرفة ما يحب وما لايحب ونقاط القوة والضعف لديه.
  3. الإمكانيات: وهي كل ما يملكه الإنسان من إمكانيات تساعده على تحقيق غاياته. فالبعض لديه المال والبعض الآخر لديه مواهب معينه أو خبرات معينه أو علاقات يستفيد منها وهكذا.

إذاً فبإمكان أي شخص أن يتعرف على ذاته من خلال معرفته بما قام به من إنجازات سابقة وبما يتصوره ويتوق إلى تحقيقه من إنجازات في المستقل (أي الغايات) مستخدماً إمكانياته التي يعرفها والتي هو على وعي وإدراك كامل بها.

إذاً من أنا؟

من هذا المنطلق ومن نقطة اكتشاف الذات يستطيع كل واحد منا أن يحدد دوره في الحياة. بمعنى آخر، يستطيع الآن كل واحد منا أن يعرف وظيفته في هذه الحياة أو الوظيفة التي يريد أن يُعرف بها في هذه الحياة.  فعلى سيبل المثال قد يرى شخص أن دوره في الحياة أن يكون سياسياً محنكاً أو خبيراً اقتصادياً أو عالماً فلكياً أو مدرب كرة قدم … إلخ. المهم أن يصل الإنسان إلى معرفة ذاته أومن هو وما دوره.

ماذا بعد اكتشاف الذات؟

بعد أن يعرف الإنسان دوره في الحياة يجب أن يحدد بشكل واضح ماهي رسالته أو مهمته في الحياة. قد يتبادر إلى ذهن القاريء سؤال وهو ما الفرق بن دوري ورسالتي؟ فهذه العبارات تعطي معاني متشابهة ولا تكاد تكون هناك فوارق حين نتحدث عن دور الإنسان في حياته أو رسالته في الحياة فكلاهما (ظاهرياً) يعطي نفس المعنى!. وجوابي هو النفي واليكم المثال التالي: لنفرض أن هنالك شخصين قد حدد كل واحد منهما دوره في الحياة وهو أن يكون طبيب أسنان محترف وعالمي. ولكن رسالة الشخص الأول هي أن يعالج فقراء المجتمع دون أجر. أما الثاني فرسالته أن ينشر ثقافة العناية بالأسنان داخل المجتمع وبرفع الوعي العام بأهمية العناية بنظافة الأسنان.

نجد في المثال السابق أنه بالرغم أن الدور كان واحداً إلا أن الرسالة (أو المهمة) كانت مختلفة بين الشخصين. ففي حين أن الدور هو الذي يحدد الوظيفة أوالشخصية التي ستمثلها على مسرح الحياة فإن الرسالة هي التي تحدد ما سوف تفعله على المسرح وما هو المسار أو المسلك الذي ستسلكه في حياتك. إن أهم ما يميز وجود رسالة في حياة الإنسان أن الرسالة هي التي تعطي معنى لحياة الإنسان. فإنسان بلا رسالة هو إنسان بلا معنى لايدري لماذا يعيش .. الحياة والموت عنده سواء .. وما أجمل أن يعيش الإنسان ويموت في سبيل معنى أو رسالة هو مؤمن بها. ولنا في سيد البشر أسوة حسنة، فما أعظم الرسالة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم وما أعظم صداها. تلك الرسالة التي أخرجت كفار العرب من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام وجعلتهم يقودوا البشرية والنهضة الحضارية على الأرض لقرون. اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

ماذا بعد تحديد الرسالة؟

تحديد الدور وتحديد الرسالة تساعدنا في تحديد المسار الذي سنسير فيه والطريق الذي سنسلكه وهذا في حد ذاته يعتبر إنجازاً عظيماً إذا ما قارنا أنفسنا بالأشخاص الذين لايعرفون أين هي وجهتهم وإلى أين يريدون أن يذهبوا. ولكن يبقى لدينا عنصر ثالث مهم بعد تحديد الدور والرسالة وهذا العنصر هو الذي سيجعل من الدور والرسالة الذين اخترناهما أكثر فاعلية وأكثر تأثيراُ .. نعم .. لكي تجعل دورك ورسالتك في الحياة أكثر فاعلية وتأثيراً يجب أن تضع لنفسك رؤية تحدد من خلالها الإنجازات التي تريد أن تحققها بالتحديد. الرؤية هي التي تحدد لك نقطة الوصول وإلى أين تريد أن تصل بالتحديد. وبوجود الرؤية تكتمل المنظومة ويكون لدينا (بوصلة شخصية) حسب ما سماها الأستاذ عبدالرحمن ناصر الملحوق في كتابه (البوصلة الشخصية – اكتشف دورك في الحياة). فضلاً أنقر على عنوان الكتاب لتحميله.

آمل أن يكون هذا المقال مفيداً.

هذا الأب الهمجي يجب أن يحاكم

هذا الخبر منقول عن وكالة أخبار المجتمع السعودي:

وعدوها بجوال وألعاب لتقول للمأذون “موافقة”..

طفلة القصيم أمضت 3 أسابيع لا تستطيع المشي بعد دخول الثمانيني بها و والدتها تطالب وزارة العدل وهيئة حقوق الإنسان بالتدخل لفك أسرها..!

وعدوها بجوال وألعاب لتقول للمأذون “موافقة”..

روت اليوم والدة طفلة القصيم التي زفها والدها إلى ثمانيني من أقاربه ونشرت وكالة أخبار المجتمع السعودي خبراً عنها أنها تمكنت من محادثة طفلتها هاتفياً موضحة أنها كانت تبكي بشدة وقالت لها بالحرف الواحد: «ماما.. سامحيني» !

وأضافت: قلت على ماذا ؟ فقالت :«صار شي وأقسم بالله إني دافعت عن نفسي.. ماما لا تزعلي غصب عني» كل ذلك وهي تبكي بشدة، كدت أنهار وقلت لها عن ماذا تتكلمين فقالت وبالحرف الواحد «ماما فكوني منه» فقلت ممن؟ قالت من الرجل الذي عمل معي «كذا وكذا .. »!!؟؟ وعندما حاولت الهرب «ضربني كف» وأمسك بي بالقوة وجلست بعد فعلته ثلاثة أسابيع لا أستطيع المشي إلا بصعوبة ؟! (إنتهى)

كم يشعرني هذا النوع من الأخبار بالحزن والأسى والاشمئزاز في نفس الوقت. وكأننا ما زلنا نعيش وفقاً لقوانين الجاهلية الأولى .. أب جاهلي التفكير قبلي الطباع وفي اعتقادي منحرف ويحتاج إلى نوع من العلاج النفسي والسلوكي، يضحي بابنته من أجل مبلغ من المال. وليتنا نقول أنه باعها فالبيع أهون في هذه الحالات، ولكنه صادر كل ما لديها من طفولة وإنسانية وكرامه منحها الله إياها. نعم .. لقد تجرأ هذا الأب المجرم وتحكم فيما لا يملك وأعطى لنفسه الحق في تحديد مصير إنسانة لم ترتكب ذنباً سوى أنها طفلة وقعت تحت رحمة هذا الطاغية الجاهل الهمجي.

إننا نريد أن يكون هناك نظاماً ولوائح قانونية واضحة تحدد حقوق البنات القاصرات وتمنع هؤلاء الآباء من ممارسة هذه الجرم ضدهن. نعم، هذا الهمجي يجب أن يحاكم بتهمة تدمير نفس بشرية بريئة من أجل الحصول على مكاسب مادية. فإن كنا فعلاً نتكلم عن مجتمع مسلم يحكمه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فأنا أريد من يأتيني بدليل على جواز ما قام به هذا المجرم. وقبل أن يأتي صاحب الدليل بدليله ويقول قال الله وقال رسوله أريده أن يفكر بإنسانيته وبفطرته (وديننا دين الفطرة) ويتفكر في الآثار النفسية التي خلفتها هذه الجريمة في نفس الطفلة البريئة وكيف يمكن أن تتخلص من الصور الذهنية التي تكونت عندها من جراء ما حصل لها.

نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

دبي – مدينة تستحق الاحترام

بالأمس تم الانتهاء من الافتتاح الرسمي لبرج دبي والذي سماه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (برج خليفة). ولمن لم يروا فعاليات الافتتاح في التلفزيون يمكنهم رؤيتها في الفيديو المرفق أو من خلال العديد من مقاطع الفيديو على موقع يوتيوب حيث أن الافتتاح كان رائعاً بكل المعاني.  طبعاً الكل يعلم أن برج خليفة هو أطول برج في العالم حتى الآن وليست هذه هي القضية، فما أرغب أن أقوله هو أنه بالرغم من كل التحديات التي تمر بها دبي، خصوصاً المالية، إلا أن دبي تثبت للجميع أنها صامدة وأنها تتطور وفقاً لخطط مرسومة ورؤى واضحه وطموحة وإصرار والتزام بالعمل والإنجاز .. هذه هو فعلاً ما أريد أن أقوله.

طبعاً لكل واحد منا وجهة نظر خاصة به حول دبي وأنا أحترمها وأقدرها بالتأكيد. وأنا شخصياً عندي بعض التحفظات على دبي والتي لا مجال للكلام عنها في هذا المقال القصير. ولكن رغم ذلك فإنني أقف بكل احترام أمام حكومة دبي وعلى رأسها محمد بن راشد وأرفع لهم القبعة تقديراً لإنجازاتهم القياسية التي صنعت من دبي مدينة خليجية بمعايير تتخطى المعايير العالمية ليس فقط فيما يخص التنمية العمرانية أو العقارية ولكن ايضاً على المستوى الخدمي مما جعل دبي نقطة جذب لجميع الأجناس.

شكراً لتلفزيون دبي على إتحافنا بهذه المناظر الرائعة .. فأنا شخصياً بحاجة إلى هذا النوع من التشجيع ورفع المعنويات ..

محاورات أفلاطون مع مرمطون

دار هذا الحوار بين أفلاطون الفيلسوف اليوناني المعروف (عاش بين 427 ق.م – 347 ق.م) والسيد مرمطون وهو مواطن سعودي من الطبقة الكادحة (عاش بين 1949 م – 2009 م)، حيث شاءت الأقدار أن يجرف سيل الأربعاء الأسود السيد مرمطون من قويزه إلى أثينا في اليونان حيث كان أفلاطون جالساً على إحدى شواطئ أثينا يتأمل كتاباته ومسرحياته والمحاورات العديدة التي كتبها، وإذا برجل يخرج له من البحر في حاله يرثى لها مما جعل أفلاطون يهرع لنجدته حيث بدت عليه آثار التعب والإعياء التي تدل على أنه تعرض لحادث مريع كاد يودي بحياته. وبعد أن قدم أفلاطون المساعدة اللازمة لذلك الرجل المسكين، دار بينهما الحوار التالي:

أفلاطون       :      حمداً لله على سلامتك .. ما اسمك أيها الغريب؟ .. ومن أين أتيتنا بهذه الهيئة الطينيه؟

مرمطون      :      مرمطون .. اسمي مرمطون وأنا من السعوديه

أفلاطون       :      السعوديه؟ ما هي السعوديه؟!

مرمطون      :      هي دوله غنيه بآبارها النفطيه ومواردها الطبيعيه وتقع في شبه الجزيرة العربيه

أفلاطون       :      دوله عربيه نفطيه وغنيه ! .. حدثني أكثر عن هذه السعوديه ..

مرمطون      :      أتسألني كل هذه الأسئله وأنت بالنسبة لي مجهول الهويه؟

أفلاطون       :      أعذرني فلم أعرفك بنفسي .. أنا أفلاطون فيلسوف يوناني قديم .. وصاحب الجمهوريه

مرمطون      :      إذاً أنا الآن في اليونان .. ولو بقيت في جده لكنت نسياً منسيا!

أفلاطون       :      جده؟ ألم تقل أنك من السعوديه .. تلك البلد النفطيه الغنيه؟

مرمطون      :      نعم .. فمدينه جده تقع في السعوديه .. في المنطقه الغربيه .. وهي مدينه ساحليه .. بحرها ملوث وبحيرتها مسكيه.

أفلاطون       :      هكذا هي إذاً القضيه .. فمن شواطئ جده أتيتنا سابحاً كالحوريه

مرمطون      :      ليس بالتحديد .. فالقضية لها أبعاد أخرى خفيه .. ولكنها مدعاة للسخريه

أفلاطون       :      أفيلسوف أنت مثلي؟ أم أن هذه أحجيه؟

مرمطون      :      كلا يا سيدي لست فيلسوفاً ولكن الصدمة كانت قويه

أفلاطون       :      أي صدمه تلك التي تتحدث عنها؟ يبدو أنها قصه مأساويه !

مرمطون      :      هي كذلك يا صديقي وسأتلوها عليك بكل أريحيه .. لقدت هطلت علينا أمطار قويه نتجت عنها سيول فظيعة راحت تقتل الضحيه تلو الضحيه

أفلاطون       :      سيول قويه في بلد غنيه مليئه بالموارد النفطيه؟! أين الحكومه؟ أين البلديه؟ أين هي البنية التحتيه؟

مرمطون      :      لا تسألني يا صديقي إنه والله البلاء وإنها والله البليه

أفلاطون       :      أناشدك الله أن تصارحني .. كيف يحصل ذلك في السعوديه؟ هذا لا يحدث في بنغلادش ولا حتى الدول الإفريقيه .. فما بالك بدوله نفطيه غنيه كالسعوديه

مرمطون      :      يا صديقي نحن دوله غنيه .. نعم غنيه بالموارد النفطيه .. بل نحن أكبر مُصدر للنفط على الكرة الأرضيه .. ولكن الحق والحق يقال ليس عندنا بنيه تحتيه .. وهذه هي مشكلتنا الأزليه

أفلاطون       :      من وجهه نظري الفلسفيه فهذه ليست كارثه عاديه .. بل هي جريمه في حق الإنسانيه .. كيف يعقل أن يحصل هذا في دولة نفطيه؟ .. ثم أن بناء البنية التحتيه عند كثير من الدول الفقيره هو من الأمور البديهيه .. فما بالك بدوله نفطيه مثل السعوديه!

مرمطون      :      نعم .. ولكن الفساد زاد بطريقه همجيه وأصبح المسئولون يلهثون كالكلاب وراء المكاسب الماديه بدون أدنى إحساس بالمسئوليه

أفلاطون       :      وكيف تم تبرير ما حصل؟ كيف تم شرح القضيه؟ من الذي يتحمل المسئوليه؟

مرمطون      :      البعض حمل المواطنين الضعفاء المسئوليه، فهم من بنو بيوتهم في بطون الأوديه وفي مجاري السيول القويه .. والبعض حمل المسئوليه للأمطار والأحوال الجويه .. والبعض قال أن هذا بسبب ذنوبهم وأنها العقوبه الإلهيه

أفلاطون       :      ماذا؟ هذه مهزله! هذه همجيه! هذه بربريه! أيعقل أن يكون المواطن هو المسئول وهو في الحقيقه الضحيه؟ هذه نكته! هذه مسرحيه! هؤلاء القتله يجب يحاكموا وعليهم أن يدفعوا الديه

مرمطون      :      تستطيع الآن أن تستنتج أين تذهب الميزانيه؟

أفلاطون       :      نعم لقد اتضحت القضيه .. قل لي يا صديقي مرمطون، كيف تدفعون عجله التنميه في السعوديه؟ هل لديكم خطه وطنيه إستراتيجيه؟

مرمطون      :      نعم .. لدينا خطط خمسيه .. وهي قديمه ومصديه .. واهتمت بالبنيه السطحيه وتركت البنيه التحتيه .. ولكن المسئولين يقولون لنا أن كل شيء على ما يرام وأن كل الأمور ميه ميه

أفلاطون       :      هذا يقودني لسؤال آخر أكثر أهميه .. كيف هي الديموقراطيه في السعوديه؟

مرمطون      :      الديموقراطيه؟ ماذا تعني بالديموقراطيه؟ نحن لا نعرف سوى الجوازات ومكتب الاستقدام والأحوال المدنيه والأجهزه الحكوميه الغارقه في البيروقراطيه

أفلاطون       :      الديموقراطيه يا صديقي هي شكل من أشكال الحكم السياسي تقوم على مبدأ حكم الأكثريه وحمايه حقوق الأقليه والمشاركه الشعبيه في الشئون السياسيه .. ومن أهم مبادئها فصل السلطات التشريعيه والقضائيه والتنفيذيه

مرمطون      :      إن كان هذه ما تقصد فالجواب نعم لدينا ديموقراطيه حيث أننا نشارك في انتخابات المجالس البلديه وانتخابات الغرف التجاريه وفي التصويت أيضاً على القنوات الفضائيه

أفلاطون       :      هذه ليست ديموقراطيه يا صديقي مرمطون .. هذه أشبه بأكله شعبيه عندكم .. تسمى الملوخيه

مرمطون      :      دعنا الآن من الديموقراطيه فأنا أحتاج إلى أشياء أخرى أساسيه .. أحتاج إلى بيت بعد أن فقدت بيتي وأهلي ولم يتبقى معي سوى هذه الملابس الطينية

أفلاطون  :           معك حق يا صديقي .. إنك فعلاً مرمطون .. تلهث وراء احتياجاتك الأساسيه .. وصدقني ستبقى مرمطون إلى الأبد إن لم تفكر في الديموقراطيه .