عطلة أول الميزان … وثقافة انقلاب الموازين

في غضون أيام معدودة ستحتفل بلاد الحرمين الشريفين بذكرى يومها الوطني الـ 80 والمعروف بانعقاده سنوياً في أول الميزان والذي سيوافق 23 سبتمبر من العام الجاري 2010 م. وكالعادة سوف نرى فعاليات الاحتفال بهذا اليوم منتشرة في كل رقعة من أرجاء هذا الوطن الكبير بكافة مناطقه ومحافظاته، وبالطبع فإن هذه الفعاليات ستتمتع بتغطية إعلامية منقطعة النظير نظراً لأهمية هذا اليوم بالنسبة لكل مواطن، فلسان حال الوطن يقول (ذاك يوم وُلدتُ فيه) وبالتالي فمن باب الحب والبر لهذا الوطن الكريم المعطاء، يتوجب على كل مواطن أو مقيم في هذا الوطن أن يحتفل بهذا اليوم التاريخي العظيم. وسوف نرى كيف تجتهد وسائل الإعلام المختلفة في نقل كافة المشاركات والمباركات (ولن أقول التهليلات والتكبيرات حيث أنها ممنوعة حتى في أعياد الفطر والأضحى) التي تعبر عن الفرحة والبهجة بهذا اليوم.

وحرصاً من الدولة حفظها الله على ضرورة أن يكون هذه اليوم يوم فرحة للجميع وأن يكون له الوقع والتأثير الإيجابي في قلوب أبناء الوطن، جعلت الدولة يوم العيد الوطني يوم عطلة رسمية للمواطنين والمقيمين بكافة شرائحهم. وهذا في اعتقادي يعتبر من ضمن الخطوات الإيجابية جداً.

إلا أن ما يستوقفني ويستوقف أي مسلم لديه القليل من العقل والمنطق والقلب السليم، هو ذلك الميزان المقلوب الذي توزن به الأمور عند الكثيرين في هذه البلاد (خصوصاً من كانوا من سكان بلاد الحرمين الشريفين التي شرف الله تعالى أهلها وساكنيها بأن جعل عندهم وبين أيديهم بيته وقبر حبيبه صلى الله عليه وسلم) وخصوصاً ممن يُعتقد أنهم من أصحاب العلم والفقه الشرعي. نعم هذا ما أريد قوله بالتحديد، نحن نعيش في ثقافة قائمة على التناقض والنفاق وسوء الأخلاق. والدليل على ذلك أننا نحتفل بيوم توحيد الوطن ولكن، وبكل وقاحة، نأمر الناس بأن لايحتفلوا بخير يوم طلعت عليه الشمس، يوم مولد خير البرية وسيد ولد آدم وإمامنا وقدوتنا وولينا وشفيعنا يوم الدين. اللهم صلي على النور سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ولكي يكون كلامي أكثر وضوحاً، فأنا لست من معارضي الاحتفال بذكرى اليوم الوطني أو أي يوم آخر، ولكن إلحاح العقل والمنطق يجعلني أضع الاحتفال بالمولد النبي في الميزان مع بقية الأعياد والمناسبات الأخرى. ومما لا شك فيه أن كفة الاحتفال بالمولد النبوي ستكون هي الأرجح بكل المقاييس وبدون منازع.

إن غياب الحواجز بيننا وبين الدول والثقافات الأخرى (والذي وفرته لنا النهضة التكنلولجية ونهضة الاتصالات التي نعيشها اليوم) قد أثبتت لنا أن آراء المتعصبين والمتنطعين وأصحاب المذاهب المتشددة ما هي إلا آراء شخصية وليست حقائق أو ثوابت دينية يمكن الارتكاز عليها. بل والأكثر من ذلك، لقد أثبتت أن كثيراً منهم لا يقف على شيء، وليس لديه الحجة القوية ليقارع الحجة بالحجة. أليس العالم الإسلامي مليء بالعلماء والفقهاء الأفاضل ممن لهم تاريخ مشهود ومشرف في مجال الإفتاء والعلوم الدينية والفقهيه؟.

ولا أريد أن أجعل من هذا المقال مكاناً لإثبات ما إذا كان المولد النبوي من المحرمات أو من المباحات، فهذا أمر في اعتقادي قد حسمه كثير من العلماء والفقهاء (المتقدمين منهم والمتأخرين) في أرجاء العالم الإسلامي منذ زمن بعيد. ولمن أراد أن يتبحر في هذا الموضوع فبإمكانه أن يزور موقع ويكيبيديا ويبحث بإسم “المولد النبوي” وسيرى بأم عينه أسماء العلماء والفقهاء الذين أجازوا الاحتفال بيوم المولد النبوي كأمثال الإمام السيوطي أو ابن الجوزي أو ابن حجر العسقلاني وغيرهم كثيرون من أئمة السنة. كما أجازه أيضاً كثيرٌ من العلماء والفقهاء العصريين كفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ محمد علوي المالكي والدكتور يوسف القرضاوي والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والشيخ عبدالله بن بيه والدكتور علي جمعه مفتي مصر … وغيرهم كثير.

إن ما أود التنويه إليه هنا أن مكانتنا كدولة تحتضن خدمة الحرمين الشريفين يجعل من واجبنا أن نكون في مقدمة الدول التي تحتفل بأعظم يوم في التاريخ وهو يوم المولد النبوي الشريف. فإذا كانت العديد من الدول العربية والإسلامية تحتفل بيوم المولد النبوي وتخصص له عطلة رسمية مثل سوريا ومصر والأردن وليبا والإمارات. فأعتقد أنه من الأولى لبلد الحرمين الشريفين أن تكون هي صاحبة الريادة في ذلك.

وأحب أن أختتم حديثي بأبيات شعرية قصيره أنشدها الحافظ شمس الدين الدمشقي في كتابه المسمى “مورد الصادي في مولد الهادي” ويذكر فيها ما يحصل لأبي لهب من تخفيف من العذاب كل يوم إثنين بسبب عتقه لجاريته ثويبة لما زفت له خبر مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

إذا كـــان هذا كافراً جاء ذمه

بتبت يداه في الجحيم مخـــــلدا

أتى أنه في يوم الإثـــنين دائماً

يخفف عنه للسرور بأحمـــــدا

فما الظن بالعبد الذي طول دهره

بأحمد مسروراً ومات موحــــدا

Advertisements

لماذا هذا الفرق بيننا وبينهم؟

من ضمن تلك الأسئلة الكثيرة التي تجول في خاطري، كان ذلك السؤال الملح الذي قعدت مراراً وتكراراً أفكر في أن أجد له جواباً مقنعاً. والسؤال هو: رغم أن الإنسان الغربي يتمتع بكل ما هو متاح من أنواع المتع والشهوات كالجنس والمشروبات الكحولية والسهرات والمراقص والأندية الليلية والمجلات والأفلام الإباحية والدعارة المنظمة وجميع تلك المحظورات التي نعتبرها نحن المسلمين مفسدات للدين والدنيا، والتي من المفترض أن تؤدي إلى انغماسه (أي الإنسان الغربي) في شهواته وملذاته وبالتالي فإن النتيجة الطبيعية (كما كنت معتقداً) أنه سيسقط في وحل التخلف وانعدام القيم والجهل والضلال، وبالتالي لن تقوم له قائمة ولن يستطيع أن يواكب الأمم المتحضرة أو أن يكون له دور يذكر في دفع عجلة التطور. إلا أن كل ذلك لم يحصل ؟!!!! فبالعكس، إني أرى أن الإنسان الغربي لديه من القيم ما لم أره في العديد من مجتمعاتنا العربية. نعم هذه حقيقة، ففي المجتمعات الغربية تجد أن قيم العمل مثل الجدية والدقة واحترام المواعيد … إلخ لها أهمية كبيرة وتجد احتراماً كبيراً من الإنسان الغربي (بالرغم أن الغربي على عكس العربي لا يؤمن كثيراً بالقيم الدينية كمحرك رئيسي لحياته) لكننا نحن العرب والمسلمين نعي ونفهم أن ديننا قد جاء بأسمى القيم الإنسانية ولكننا بالرغم من ذلك مازلنا لانلتزم بها، وبالأخص تلك التي تحضنا على العلم والعمل وإعمار الأرض. إذاً أين يكمن الخلل؟ كيف يستطيع الغربي أن يوفق ويوازن بين الجدية والمتعة ولا يستطيع العربي ذلك؟ كيف يستطيع الغربي الذي لا يهتم بالدين (وفي كثير من الحالات لا يؤمن بالآخرة) أن يتمسك بكل تلك القيم التي صعدت به تمسكاً قوياً، بينما لا يزال العربي (والذي يدعى ليلاً ونهاراً بأنه ينتمى لحضارة إسلامية عريقة جاءت بأفضل القيم الدينية والدنيوية) ساقطاً في بئر التخلف والضلال والرجعية والأهم من ذلك التبعية العمياء للغربي؟

لاشك أن السؤال ليس سؤالاً سهلاً يمكن الإجابة عليه بصح أو خطأ أو نعم أو لا، إنه سؤال متشعب ذو أبعاد عدة ويتطلب تحليلاً عميقاً وقد يخضع لوجهات نظر عديدة. فلا يمكننا أن نحصر الأسباب في قائمة قصيرة حيث أن الفارق بين الغربي والعربي ليس فقط في النقطة، إنه فارق له أسباب تاريخيه وله تفسيرات أخرى فلسفية وثقافية وسياسية أيضاً. وحيث أني مؤمن بأن الإنسان هو محور الكون وهو صاحب الإرادة الحقيقة في التغيير والتطوير، فإني أحببت أن أنظر إلى هذه القضية من جانب واحد وهو جانب الإنسان. وجعلت أفكر وأفكر إلى أن هداني الله تعالي إلى الشخص الذي وجدت عنده ضالتي. ذاك هو العلامة المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود الذي أجاب على تساؤلاتي دون اتصال بيننا. فعندما كنت أقرأ أحد كتيباته القيمة وهو بعنوان (هل هو عصر الجنون) وجدت أن الدكتور مصطفى محمود قد تطرق إلى هذا الموضوع الذي شغل بالي طويلاً وأعطاه بعداً فلسفساً عجيباً لم أسمع به من قبل. ولكم ما ذكره الدكتور بالنص:

” لا شك أنهم يفكرون بطريقة مختلفة ويرون الدنيا بمنظار مختلف .. وكنت ما زلت أسير بالحركة البندولية البطيئة وأتساءل .. ما هو الفارق بالضبط بيننا وبينهم .. ومن منا على الخطأ ومن منا على الصواب إن كان هناك خطأ وصواب. قلت .. أنا أعلم على الأقل شيئاً عن نفسي .. وكيف أفكر كرجل شرقي. لا شك أن مساحة العاطفة والخيال عندنا أوسع نحن الشرقيين ونحن نستشير عقولنا ونرتجل أكثر مما نخطط. وعن نفسي .. فأنا لا أحتفل باللحظة كثيراً .. وأحياناً لا أعيش اليوم وإنما أتخطاه وأسكن بخيالي في المستقبل وأعيش في هموم الموت وما بعد الموت. ولست وحدي في ذلك الهم فالمصريون القدامى بنوا للموت أهراماً لم يبنوا مثلها للحياة وعاشوا وغنوا وكتبوا الشعر والأناشيد لعالم ما بعد الموت .. وكانو أسرع الناس إلى تلقف المسيحية ثم الإسلام لأنه حدثهم عن الإله الواحد الذي عبدوه وحدثهم عن الموت ومابعده وقال لهم إن الدنيا مجرد مزرعة للآخرة وإن حياة الآخرة هي الحياة الحقة التي لها الدوام .. وإن الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر وإنها متاع الغرور .. فاستجابوا لهذا الكلام بكل نفوسهم لأن تلك كانت فطرتهم التي جبلوا عليها وعاشوا بها آلاف السنين ..

بينما كان الإنسان الأوروبي إنساناً مختلفاً .. لم ينظر الأوروبي أبداً بهذا المنظار للدنيا ولم يعش في هم الموت وما بعده .. وإنما كان دائماً مهموماً بلحظته يحاول أن يعيشها كأعرض وكأحفل ما تكون باللذة والألم .. وكان يستشير عقله قبل عاطفته ويخطط ولا يترجل .. ويعيش للواقع ولا يحفل بالغيب. ولهذا كنت تراه دائماً ناهضاً بالخطوة السريعة إلى العمل حريصاً على قطف الثمر مسارعاً إلى الاستمتاع بيوم العطلة بلا حدود ودون التفات إلى حرام أو حلال ودون توقف عند ما تنذر به الكتب من عذاب وعقاب في الآخرة .. فلا حقيقة في نظره سوى هذه الحياة وليس بعدها شيء وليس وراءها شيء.

وكانت فضائله هي فضائل العمل فهو إنسان صادق ملتزم يحترم الكلمة والطابور والقوانين المدنية وإشارات المرور لأن هذه الأخلاقيات هي الوسيلة المثلى للانتفاع بالحاضر واستثمار اللحظة وليس لأن هذه الأخلاقيات هي الوصايا العشر التي أمر بها الرب .. فهو أخلاقي لأسباب اتنهازية وليس لأسباب دينية .. وهي أخلاقيات نقابة وتبادل منافع وانضباط عمل. وهذا التركيز بلا حدود على استثمار الحاضر بدون مخاوف دينية وبدون هموم مستقبلية هو الذي أثمر هذه الحظوظ الدنيوية الوافرة في كل شيء.

ولو فهمنا نحن الدين فهماً صحيحاً لما كنا أقل منه حماساً لاستثمار الحاضر ولكانت عقولنا أكثر منهم انطلاقاً لنزرع ونحرث في مزرعة الدنيا أكثر لنحصد في الآخرة أكثر فالإسلام دين علم وعمل وعقل. ولكن الدين جاء في خيال الأكثرية مقترناً بالزهد ورفض الدنيا والكسل واتهام العلم والحياة في خوف وانزواء في صومعة والعزلة والسلبية والرهبانية والتعبد الخاوي. لقد أخطأوا فهم الدنيا وأخطأنا فهم الدين. وتحالفت فروق الطقس على مضاعفة الفوارق وتوكيدها فظهرت هذه السلوكية الأوروبية النشطة الناهضة بهمة وإيجابية إلى النفع والانتفاع في مقابل السلوكية الشرقية الزاهدة المتراخية الكسولة القانعة الخاملة الرافضة المنعزلة المنطوية في تأمل خاو. كلانا مريض منحرف.”

رحم الله الدكتور مصطفى محمود، فهذا تحليل يوضح الكثير من اللبس، نعم، لقد أخطأوا فهم الدنيا وأخطأنا فهم الدين. وكانت النتيجة أنهم (أي الغربيين) انتجوا حضارة مادية بحته لا روح فيها. بينما نحن الشرقيين عطلنا قيمنا الدينية والدنيوية وقعدنا عن العمل ونمنا في سبات عميق متلحفين بغطاء الزهد في الدنيا وطلب الآخرة وتناسينا أن ديننا يأمرنا بإعمار الأرض التي استخلفنا الله فيها. نعم، للأسف كلانا مريض منحرف.