دبي – مدينة تستحق الاحترام

بالأمس تم الانتهاء من الافتتاح الرسمي لبرج دبي والذي سماه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (برج خليفة). ولمن لم يروا فعاليات الافتتاح في التلفزيون يمكنهم رؤيتها في الفيديو المرفق أو من خلال العديد من مقاطع الفيديو على موقع يوتيوب حيث أن الافتتاح كان رائعاً بكل المعاني.  طبعاً الكل يعلم أن برج خليفة هو أطول برج في العالم حتى الآن وليست هذه هي القضية، فما أرغب أن أقوله هو أنه بالرغم من كل التحديات التي تمر بها دبي، خصوصاً المالية، إلا أن دبي تثبت للجميع أنها صامدة وأنها تتطور وفقاً لخطط مرسومة ورؤى واضحه وطموحة وإصرار والتزام بالعمل والإنجاز .. هذه هو فعلاً ما أريد أن أقوله.

طبعاً لكل واحد منا وجهة نظر خاصة به حول دبي وأنا أحترمها وأقدرها بالتأكيد. وأنا شخصياً عندي بعض التحفظات على دبي والتي لا مجال للكلام عنها في هذا المقال القصير. ولكن رغم ذلك فإنني أقف بكل احترام أمام حكومة دبي وعلى رأسها محمد بن راشد وأرفع لهم القبعة تقديراً لإنجازاتهم القياسية التي صنعت من دبي مدينة خليجية بمعايير تتخطى المعايير العالمية ليس فقط فيما يخص التنمية العمرانية أو العقارية ولكن ايضاً على المستوى الخدمي مما جعل دبي نقطة جذب لجميع الأجناس.

شكراً لتلفزيون دبي على إتحافنا بهذه المناظر الرائعة .. فأنا شخصياً بحاجة إلى هذا النوع من التشجيع ورفع المعنويات ..

Advertisements

محاورات أفلاطون مع مرمطون

دار هذا الحوار بين أفلاطون الفيلسوف اليوناني المعروف (عاش بين 427 ق.م – 347 ق.م) والسيد مرمطون وهو مواطن سعودي من الطبقة الكادحة (عاش بين 1949 م – 2009 م)، حيث شاءت الأقدار أن يجرف سيل الأربعاء الأسود السيد مرمطون من قويزه إلى أثينا في اليونان حيث كان أفلاطون جالساً على إحدى شواطئ أثينا يتأمل كتاباته ومسرحياته والمحاورات العديدة التي كتبها، وإذا برجل يخرج له من البحر في حاله يرثى لها مما جعل أفلاطون يهرع لنجدته حيث بدت عليه آثار التعب والإعياء التي تدل على أنه تعرض لحادث مريع كاد يودي بحياته. وبعد أن قدم أفلاطون المساعدة اللازمة لذلك الرجل المسكين، دار بينهما الحوار التالي:

أفلاطون       :      حمداً لله على سلامتك .. ما اسمك أيها الغريب؟ .. ومن أين أتيتنا بهذه الهيئة الطينيه؟

مرمطون      :      مرمطون .. اسمي مرمطون وأنا من السعوديه

أفلاطون       :      السعوديه؟ ما هي السعوديه؟!

مرمطون      :      هي دوله غنيه بآبارها النفطيه ومواردها الطبيعيه وتقع في شبه الجزيرة العربيه

أفلاطون       :      دوله عربيه نفطيه وغنيه ! .. حدثني أكثر عن هذه السعوديه ..

مرمطون      :      أتسألني كل هذه الأسئله وأنت بالنسبة لي مجهول الهويه؟

أفلاطون       :      أعذرني فلم أعرفك بنفسي .. أنا أفلاطون فيلسوف يوناني قديم .. وصاحب الجمهوريه

مرمطون      :      إذاً أنا الآن في اليونان .. ولو بقيت في جده لكنت نسياً منسيا!

أفلاطون       :      جده؟ ألم تقل أنك من السعوديه .. تلك البلد النفطيه الغنيه؟

مرمطون      :      نعم .. فمدينه جده تقع في السعوديه .. في المنطقه الغربيه .. وهي مدينه ساحليه .. بحرها ملوث وبحيرتها مسكيه.

أفلاطون       :      هكذا هي إذاً القضيه .. فمن شواطئ جده أتيتنا سابحاً كالحوريه

مرمطون      :      ليس بالتحديد .. فالقضية لها أبعاد أخرى خفيه .. ولكنها مدعاة للسخريه

أفلاطون       :      أفيلسوف أنت مثلي؟ أم أن هذه أحجيه؟

مرمطون      :      كلا يا سيدي لست فيلسوفاً ولكن الصدمة كانت قويه

أفلاطون       :      أي صدمه تلك التي تتحدث عنها؟ يبدو أنها قصه مأساويه !

مرمطون      :      هي كذلك يا صديقي وسأتلوها عليك بكل أريحيه .. لقدت هطلت علينا أمطار قويه نتجت عنها سيول فظيعة راحت تقتل الضحيه تلو الضحيه

أفلاطون       :      سيول قويه في بلد غنيه مليئه بالموارد النفطيه؟! أين الحكومه؟ أين البلديه؟ أين هي البنية التحتيه؟

مرمطون      :      لا تسألني يا صديقي إنه والله البلاء وإنها والله البليه

أفلاطون       :      أناشدك الله أن تصارحني .. كيف يحصل ذلك في السعوديه؟ هذا لا يحدث في بنغلادش ولا حتى الدول الإفريقيه .. فما بالك بدوله نفطيه غنيه كالسعوديه

مرمطون      :      يا صديقي نحن دوله غنيه .. نعم غنيه بالموارد النفطيه .. بل نحن أكبر مُصدر للنفط على الكرة الأرضيه .. ولكن الحق والحق يقال ليس عندنا بنيه تحتيه .. وهذه هي مشكلتنا الأزليه

أفلاطون       :      من وجهه نظري الفلسفيه فهذه ليست كارثه عاديه .. بل هي جريمه في حق الإنسانيه .. كيف يعقل أن يحصل هذا في دولة نفطيه؟ .. ثم أن بناء البنية التحتيه عند كثير من الدول الفقيره هو من الأمور البديهيه .. فما بالك بدوله نفطيه مثل السعوديه!

مرمطون      :      نعم .. ولكن الفساد زاد بطريقه همجيه وأصبح المسئولون يلهثون كالكلاب وراء المكاسب الماديه بدون أدنى إحساس بالمسئوليه

أفلاطون       :      وكيف تم تبرير ما حصل؟ كيف تم شرح القضيه؟ من الذي يتحمل المسئوليه؟

مرمطون      :      البعض حمل المواطنين الضعفاء المسئوليه، فهم من بنو بيوتهم في بطون الأوديه وفي مجاري السيول القويه .. والبعض حمل المسئوليه للأمطار والأحوال الجويه .. والبعض قال أن هذا بسبب ذنوبهم وأنها العقوبه الإلهيه

أفلاطون       :      ماذا؟ هذه مهزله! هذه همجيه! هذه بربريه! أيعقل أن يكون المواطن هو المسئول وهو في الحقيقه الضحيه؟ هذه نكته! هذه مسرحيه! هؤلاء القتله يجب يحاكموا وعليهم أن يدفعوا الديه

مرمطون      :      تستطيع الآن أن تستنتج أين تذهب الميزانيه؟

أفلاطون       :      نعم لقد اتضحت القضيه .. قل لي يا صديقي مرمطون، كيف تدفعون عجله التنميه في السعوديه؟ هل لديكم خطه وطنيه إستراتيجيه؟

مرمطون      :      نعم .. لدينا خطط خمسيه .. وهي قديمه ومصديه .. واهتمت بالبنيه السطحيه وتركت البنيه التحتيه .. ولكن المسئولين يقولون لنا أن كل شيء على ما يرام وأن كل الأمور ميه ميه

أفلاطون       :      هذا يقودني لسؤال آخر أكثر أهميه .. كيف هي الديموقراطيه في السعوديه؟

مرمطون      :      الديموقراطيه؟ ماذا تعني بالديموقراطيه؟ نحن لا نعرف سوى الجوازات ومكتب الاستقدام والأحوال المدنيه والأجهزه الحكوميه الغارقه في البيروقراطيه

أفلاطون       :      الديموقراطيه يا صديقي هي شكل من أشكال الحكم السياسي تقوم على مبدأ حكم الأكثريه وحمايه حقوق الأقليه والمشاركه الشعبيه في الشئون السياسيه .. ومن أهم مبادئها فصل السلطات التشريعيه والقضائيه والتنفيذيه

مرمطون      :      إن كان هذه ما تقصد فالجواب نعم لدينا ديموقراطيه حيث أننا نشارك في انتخابات المجالس البلديه وانتخابات الغرف التجاريه وفي التصويت أيضاً على القنوات الفضائيه

أفلاطون       :      هذه ليست ديموقراطيه يا صديقي مرمطون .. هذه أشبه بأكله شعبيه عندكم .. تسمى الملوخيه

مرمطون      :      دعنا الآن من الديموقراطيه فأنا أحتاج إلى أشياء أخرى أساسيه .. أحتاج إلى بيت بعد أن فقدت بيتي وأهلي ولم يتبقى معي سوى هذه الملابس الطينية

أفلاطون  :           معك حق يا صديقي .. إنك فعلاً مرمطون .. تلهث وراء احتياجاتك الأساسيه .. وصدقني ستبقى مرمطون إلى الأبد إن لم تفكر في الديموقراطيه .

الشيخ إبراهيم الحارثي وكارثة جدة – كلام يشفي الغليل

المقاطع التالية هي للخطبة التي خطبها الشيخ إبراهيم الحارثي حفظه الله وأكثر من أمثاله.

هذا هو التخلف بعينه – ولكن إلى متى؟

محتسبون مجهولون يحاولون تعطيل أنشطة المتطوعين لانقاذ منكوبي جدة بحجة الاختلاط..!

نشرت وكالة أخبار المجتمع السعودي في موقعها الإلكتروني في 4-12-2009 الخبر التالي:

بعد ساعات قليلة من نشر وكالة أخبار المجتمع السعودي لصور المتطوعين والمتطوعات لإغاثة منكوبي جدة, توجه عدد من الأشخاص المجهولين الذين وصفوا أنفسهم بالمحتسبين (بشكل غير رسمي) لأماكن تواجد أفراد الحملات التطوعية محاولين التشويش عليهم وتعطيل أعمالهم بحجة ما وصفوه بالاختلاط.

وفي السياق ذاته أصدر أمس (الخميس) مجموعة ممن يصفون أنفسهم بالدعاة وطلبة العلم بياناً ذكروا فيه أن (الذنوب والمعاصي) من أسباب الكارثة التي خلفت الدمارفي جدة, وقد لوحظ أن من بينهم (قضاة وكتاب عدل) وهم بذلك ينتسبون إلى الفئة التي من المتوقع أن يُستدعى أفراد منها للتحقيق على خلفية منح صكوك الأراضي للمواطنين وتجار العقار في مجاري السيول والأودية مما تسبب في تدمير المنازل التي بنيت عليها. (انتهى)

إننا فعلاً نعيش في زمان مليء بالمتناقضات، ففي الوقت الذي يعمل فيه هؤلاء الشبان والشابات من المتطوعين لكي يسعفوا المتضررين من ضحايا سيل الأربعاء (أو بالأحرى سيل الفساد) يأتي هؤلاء المحتسبون ليقفوا عائقاً أمامهم بحجة أن هنالك اختلاط. إنه والله لهو التخلف بعينه … ولا أعرف كيف يفكر هؤلاء القوم (إن كانوا يفكرون أصلاً) وكيف يستطيعون التمييز بين ما هو مهم وما هو أهم. ففي سبيل منع الاختلاط (وهو داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودرء المفاسد) يمكننا أن نحرم المنكوبين من الفقراء والأرامل والأيتام وغيرهم من الضحايا حتى من وصول المساعدات. فليموتوا جوعاً وقهراً طالما أننا استطعنا درء مفسدة كبيرة ومنع اختلاط هذا الفئة الضالة من المتطوعين والمتطوعات الذين سخروا جهودهم وأوقاتهم وأموالهم في إغاثة المنكوبين والضعفاء. ولو كان لدى هؤلاء المتشدقون بالدين أقل معرفة بدينهم لعرفوا أن ديننا دين السلام ودين إغاثة الملهوف ودين الأخلاق قبل كل شيء. ولو أنهم فهموا أقل ما يمكن فهمه في فقه الأولويات (على افتراض أن الاختلاط المذكور هو اختلاط محرم) لعرفوا أن إغاثة هؤلاء المنكوبين مقدمة على كل شيء ولها الأولوية الأولى. ولكن لقد أسمعت إذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.

ألم يكن الأحرى بهؤلاء الجهلة أن يمدوا يد العون لهذه الكوكبة من المتطوعين ويساعدوهم في أداء مهمتهم النبيله بدلاً من إعاقتهم؟!! إلى متى سيبقى هؤلاء يلعبون دور من منحت له السماء حق الوصاية على أهل الأرض؟ لماذا لم نسمع أصوات هذه الفئة (ممن يسمون أنفسهم بالمحتسبين) تعلو في وجه الفساد والمفسدين من أصحاب السلطة والسلطان؟ أم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له خطوط حمراء لا يمكن أن تقطع؟ لوكان هؤلاء الجهلة صادقين في مسعاهم لمحاربة الفساد والرذيلة لكانوا حاربوا الفساد والمفسدين بكافة أنواعهم وأشكالهم وسلطاتهم دون أن يخافوا في الله لومة لائم. ولكن تغيير المنكر سواء باليد أو اللسان أو القلب يعتمد عندهم على مدى قوة الشخص الذي يمارس المنكر، وكما يقولون بالعامية (من خاف سلم).

قصيدة فلسفة الحياة – رائعة من روائع إيليا أبو ماضي

أيـــهــذا الشــاكي ومــا بــك داء
كـــيف تــغدو اذا غــــدوت عليلا

ان شــر الجــناة في الارض نفس
تتـــوقى قـــبل الرحـــيل الرحيلا

وترى الشوك في الورود وتعمى
ان تــرى فـــوقها الــندى اكليلا

هــو عبء عـلى الحـياة ثـقــيل
مـن يـظـن الحـياة عــــبئاً ثقيلاً

والـذي نـفــسه بغـــير جـــمال
لا يــرى في الوجــود شيئاً جميلا

ليس أشقى ممن يرى العيش مراً
ويــظـــن الــلذات فيها فــضولا

أحـــكم الـناس في الحـياة أناس
عـللــوها فأحـــــــــسنوا التعليلا

فـتــمتع بالصــبح ما دمــــــت فيه
لا تخف أن يزول… حتى تزولا

واذا مــــا أظـــل رأســــك هـــمٌ
قصر البحث فيه … كيلا يطولا

أدركـــت كــنهها طـيور الروابي
فمـن العــار أن تظــل جــــهولا

ما تـراها والحــقل ملك سواها
أتخــــذت فيه مسرحا ومقيلا!

تـتـغـنى .. والصقر قد ملك الجو
عــلــــيها – والصائدون – السبيلا

تـتغــنى… وقد رأت بعضها يؤخذ
حـــياً والــبعض يــقضي قـــــتيلا

تـتـغنى… وعــــمرها بعض عام
أفـــتـبكي وقد تـعيــــــــش طويلا؟

فـــهي فوق الغصون في الفجر تتلو
ســـور الـوجد والــهوى ترتـــــــيلا

وهـي طــوراً على الثرى واقعات
تـــلقــط الحــــــب أو تجر الذيولا

كــلما أمســك الغصون سكون
صفـقت للــغــصون حتى تميلا

فاذا ذهـــب الأصــيل الروابي
وقفــت فوقــها تناجي الأصيلا

فاطلب اللهو مثلما تطلب الأطيار
عـــند الــهجـــير ظــلاً ظـــليلا

وتــعـلم حب الطــبـيعة منها
واترك القال للورى والقيلا

فالذي يـــبتغي العواذل يـــلقى
كل حين في كل شخص عذولا

كـــن هزاراً في عشه يتغنى
ومـع الكــــبل لا يبال يالكبولا

لا غـــراباً يطــارد الدود في الأرض
وبـــوماً في اللـــيل يبــكــي الطلولا

كـن غديراً يسير في الأرض رقرا قا
فيــسقي من جانــبيه الحـــــــــــقولا

تــستحـم النــــجوم فـيه ويـــلـــقى
كـــــل شـــخص وكل شيء مثيلا

لا وعــــاء يقذر الماء حتى
تستحيل المياه فيه وحولا

كــن مع الفجر نسمة توسع
الأزهار شـــماً وتارة تقبيلا

لا سموماً من السوافي اللواتي
تملأ الأرض في الظلام عويلا

ومـــع الليل كوكبا يــؤنس الغابات
والــنهر والربــى والســــــهولا

لا دجــى يكـــــــره العوالم والناس
فيـــــلقي عــلى الجـــميع سدولا

أيها ذا الشاكي وما بك داء
كن جميلا تر الوجود جميلا

لماذا هذا الفرق بيننا وبينهم؟

من ضمن تلك الأسئلة الكثيرة التي تجول في خاطري، كان ذلك السؤال الملح الذي قعدت مراراً وتكراراً أفكر في أن أجد له جواباً مقنعاً. والسؤال هو: رغم أن الإنسان الغربي يتمتع بكل ما هو متاح من أنواع المتع والشهوات كالجنس والمشروبات الكحولية والسهرات والمراقص والأندية الليلية والمجلات والأفلام الإباحية والدعارة المنظمة وجميع تلك المحظورات التي نعتبرها نحن المسلمين مفسدات للدين والدنيا، والتي من المفترض أن تؤدي إلى انغماسه (أي الإنسان الغربي) في شهواته وملذاته وبالتالي فإن النتيجة الطبيعية (كما كنت معتقداً) أنه سيسقط في وحل التخلف وانعدام القيم والجهل والضلال، وبالتالي لن تقوم له قائمة ولن يستطيع أن يواكب الأمم المتحضرة أو أن يكون له دور يذكر في دفع عجلة التطور. إلا أن كل ذلك لم يحصل ؟!!!! فبالعكس، إني أرى أن الإنسان الغربي لديه من القيم ما لم أره في العديد من مجتمعاتنا العربية. نعم هذه حقيقة، ففي المجتمعات الغربية تجد أن قيم العمل مثل الجدية والدقة واحترام المواعيد … إلخ لها أهمية كبيرة وتجد احتراماً كبيراً من الإنسان الغربي (بالرغم أن الغربي على عكس العربي لا يؤمن كثيراً بالقيم الدينية كمحرك رئيسي لحياته) لكننا نحن العرب والمسلمين نعي ونفهم أن ديننا قد جاء بأسمى القيم الإنسانية ولكننا بالرغم من ذلك مازلنا لانلتزم بها، وبالأخص تلك التي تحضنا على العلم والعمل وإعمار الأرض. إذاً أين يكمن الخلل؟ كيف يستطيع الغربي أن يوفق ويوازن بين الجدية والمتعة ولا يستطيع العربي ذلك؟ كيف يستطيع الغربي الذي لا يهتم بالدين (وفي كثير من الحالات لا يؤمن بالآخرة) أن يتمسك بكل تلك القيم التي صعدت به تمسكاً قوياً، بينما لا يزال العربي (والذي يدعى ليلاً ونهاراً بأنه ينتمى لحضارة إسلامية عريقة جاءت بأفضل القيم الدينية والدنيوية) ساقطاً في بئر التخلف والضلال والرجعية والأهم من ذلك التبعية العمياء للغربي؟

لاشك أن السؤال ليس سؤالاً سهلاً يمكن الإجابة عليه بصح أو خطأ أو نعم أو لا، إنه سؤال متشعب ذو أبعاد عدة ويتطلب تحليلاً عميقاً وقد يخضع لوجهات نظر عديدة. فلا يمكننا أن نحصر الأسباب في قائمة قصيرة حيث أن الفارق بين الغربي والعربي ليس فقط في النقطة، إنه فارق له أسباب تاريخيه وله تفسيرات أخرى فلسفية وثقافية وسياسية أيضاً. وحيث أني مؤمن بأن الإنسان هو محور الكون وهو صاحب الإرادة الحقيقة في التغيير والتطوير، فإني أحببت أن أنظر إلى هذه القضية من جانب واحد وهو جانب الإنسان. وجعلت أفكر وأفكر إلى أن هداني الله تعالي إلى الشخص الذي وجدت عنده ضالتي. ذاك هو العلامة المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود الذي أجاب على تساؤلاتي دون اتصال بيننا. فعندما كنت أقرأ أحد كتيباته القيمة وهو بعنوان (هل هو عصر الجنون) وجدت أن الدكتور مصطفى محمود قد تطرق إلى هذا الموضوع الذي شغل بالي طويلاً وأعطاه بعداً فلسفساً عجيباً لم أسمع به من قبل. ولكم ما ذكره الدكتور بالنص:

” لا شك أنهم يفكرون بطريقة مختلفة ويرون الدنيا بمنظار مختلف .. وكنت ما زلت أسير بالحركة البندولية البطيئة وأتساءل .. ما هو الفارق بالضبط بيننا وبينهم .. ومن منا على الخطأ ومن منا على الصواب إن كان هناك خطأ وصواب. قلت .. أنا أعلم على الأقل شيئاً عن نفسي .. وكيف أفكر كرجل شرقي. لا شك أن مساحة العاطفة والخيال عندنا أوسع نحن الشرقيين ونحن نستشير عقولنا ونرتجل أكثر مما نخطط. وعن نفسي .. فأنا لا أحتفل باللحظة كثيراً .. وأحياناً لا أعيش اليوم وإنما أتخطاه وأسكن بخيالي في المستقبل وأعيش في هموم الموت وما بعد الموت. ولست وحدي في ذلك الهم فالمصريون القدامى بنوا للموت أهراماً لم يبنوا مثلها للحياة وعاشوا وغنوا وكتبوا الشعر والأناشيد لعالم ما بعد الموت .. وكانو أسرع الناس إلى تلقف المسيحية ثم الإسلام لأنه حدثهم عن الإله الواحد الذي عبدوه وحدثهم عن الموت ومابعده وقال لهم إن الدنيا مجرد مزرعة للآخرة وإن حياة الآخرة هي الحياة الحقة التي لها الدوام .. وإن الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر وإنها متاع الغرور .. فاستجابوا لهذا الكلام بكل نفوسهم لأن تلك كانت فطرتهم التي جبلوا عليها وعاشوا بها آلاف السنين ..

بينما كان الإنسان الأوروبي إنساناً مختلفاً .. لم ينظر الأوروبي أبداً بهذا المنظار للدنيا ولم يعش في هم الموت وما بعده .. وإنما كان دائماً مهموماً بلحظته يحاول أن يعيشها كأعرض وكأحفل ما تكون باللذة والألم .. وكان يستشير عقله قبل عاطفته ويخطط ولا يترجل .. ويعيش للواقع ولا يحفل بالغيب. ولهذا كنت تراه دائماً ناهضاً بالخطوة السريعة إلى العمل حريصاً على قطف الثمر مسارعاً إلى الاستمتاع بيوم العطلة بلا حدود ودون التفات إلى حرام أو حلال ودون توقف عند ما تنذر به الكتب من عذاب وعقاب في الآخرة .. فلا حقيقة في نظره سوى هذه الحياة وليس بعدها شيء وليس وراءها شيء.

وكانت فضائله هي فضائل العمل فهو إنسان صادق ملتزم يحترم الكلمة والطابور والقوانين المدنية وإشارات المرور لأن هذه الأخلاقيات هي الوسيلة المثلى للانتفاع بالحاضر واستثمار اللحظة وليس لأن هذه الأخلاقيات هي الوصايا العشر التي أمر بها الرب .. فهو أخلاقي لأسباب اتنهازية وليس لأسباب دينية .. وهي أخلاقيات نقابة وتبادل منافع وانضباط عمل. وهذا التركيز بلا حدود على استثمار الحاضر بدون مخاوف دينية وبدون هموم مستقبلية هو الذي أثمر هذه الحظوظ الدنيوية الوافرة في كل شيء.

ولو فهمنا نحن الدين فهماً صحيحاً لما كنا أقل منه حماساً لاستثمار الحاضر ولكانت عقولنا أكثر منهم انطلاقاً لنزرع ونحرث في مزرعة الدنيا أكثر لنحصد في الآخرة أكثر فالإسلام دين علم وعمل وعقل. ولكن الدين جاء في خيال الأكثرية مقترناً بالزهد ورفض الدنيا والكسل واتهام العلم والحياة في خوف وانزواء في صومعة والعزلة والسلبية والرهبانية والتعبد الخاوي. لقد أخطأوا فهم الدنيا وأخطأنا فهم الدين. وتحالفت فروق الطقس على مضاعفة الفوارق وتوكيدها فظهرت هذه السلوكية الأوروبية النشطة الناهضة بهمة وإيجابية إلى النفع والانتفاع في مقابل السلوكية الشرقية الزاهدة المتراخية الكسولة القانعة الخاملة الرافضة المنعزلة المنطوية في تأمل خاو. كلانا مريض منحرف.”

رحم الله الدكتور مصطفى محمود، فهذا تحليل يوضح الكثير من اللبس، نعم، لقد أخطأوا فهم الدنيا وأخطأنا فهم الدين. وكانت النتيجة أنهم (أي الغربيين) انتجوا حضارة مادية بحته لا روح فيها. بينما نحن الشرقيين عطلنا قيمنا الدينية والدنيوية وقعدنا عن العمل ونمنا في سبات عميق متلحفين بغطاء الزهد في الدنيا وطلب الآخرة وتناسينا أن ديننا يأمرنا بإعمار الأرض التي استخلفنا الله فيها. نعم، للأسف كلانا مريض منحرف.

إجمالي الموجودات الأجنبية لدى المؤسسة بلغ 1.68 تريليون ريال … ما معنى ذلك؟

تضمنت النشرة الإحصائية الصادرة عن مؤسسة النقد العربي السعودي للربع الثالث من عام 2008 م رقماًً قياسياًً لإجمالي الموجودات الأجنبية التي تمتلكها المؤسسة والتي بلغت 1.68 تريليون ريال. و السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو مدى أهمية هذه المعلومة بالنسبة للاقتصاد الوطني ككل وللأفراد داخل هذا الاقتصاد. وللإجابة على هذا التساؤل، علينا أولاًً أن نتعرف على ماهية الموجودات الأجنبية ومن ثم نلقي الضوء على أهميتها بالنسبة للاقتصاد الوطني لأي بلد.

إن من المعلوم أن البنك المركزي في أي بلد، بصفته بنك الحكومة أو كما يسمى بنك البنوك، يلعب دوراًً حيوياًً في الاقتصاد الوطني. فبحكم أنه مسئول عن تفعيل السياسة النقدية التي تصوغها الحكومة، يقوم البنك المركزي بمهام جوهرية أخرى تتضمن، على سبيل المثال لا الحصر، مراقبة المعروض من النقود داخل الاقتصاد الوطني، الإشراف على البنوك التجارية ووضع التشريعات اللازمة لتنظيم عملها، وتحديد أسعار الفائدة الرسمية من أجل إدارة معدلات التضخم و سعر الصرف الخاص بالعملة المحلية.

إلى جانب المهام المذكورة، يقوم البنك المركزي بمهمة أخرى ذات أهمية كبيرة وهي بناء احتياطيات من الموجودات الأجنبية  (تتضمن استثمارات في أوراق مالية، ودائع لدى بنوك خارجية، احتياطيات من النقد الأجنبي والذهب بالإضافة إلى استثمارات أخرى). إن هذه الاحتياطيات تعتبر بمثابة صمام الأمان الذي يحمي الاقتصاد الوطني من أي صدمات أو كبوات من المحتمل أن يتعرض لها، كما أنها (أي الاحتياطيات) تعتبر مقياس للملاءة المالية التي يتمتع بها أي اقتصاد.  من ذلك، فإن البنك المركزي من خلال سياسة تكوين احتياطيات من الموجودات الأجنبية يرمي إلى تحقيق الأهداف التالية:

1.     أيجاد احتياطي من الموجودات لمواجهة الكوارث وحالات الطوارئ التي قد يتعرض لها أي بلد

2.     إيجاد قاعدة صلبة من العملات الأجنبية تحد من نسبة انكشاف الاقتصاد الوطني للمخاطر الخارجية (مثل عدم توفر مصادر التمويل) خصوصاًً عند حدوث أزمات اقتصادية كالأزمة التي يعيشها العالم في الوقت الراهن

3.     تعزيز موقف الحكومة وإضفاء مزيد من الثقة لاتخاذ القرارات المناسبة فيما يخص السياسات النقدية وسعر صرف العملة المحلية

4.     زيادة ثقة الأسواق في إمكانية الاقتصاد الوطني على الوفاء بالتزاماته الخارجية

5.     إيجاد حائط صلب من الموجودات الأجنبية يعمل على حماية وتعزيز قيمة العملة المحلية

6.     مساعدة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها ومديونياتها الخارجية

7.     مساعدة الحكومة على القيام بعمليات التبادل المختلفة مع الدول الأجنبية بيسر وسهولة ودون التعرض لمخاطر تذبذب أسعار العملات

8.     توفير عوائد استثمارية معقولة للاقتصاد الوطني

من هذا المنطلق نجد أن مؤسسة النقد العربي السعودي عكفت في السنوات الأخيرة على تغذية أرصدتها من الموجودات الأجنبية من خلال توجيه جزء من الفائض في الميزانية لرفع مستوى هذه الاحتياطيات مستغلة بذلك الوفورات المالية التي حققتها الطفرة الاقتصادية الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. لقد نتج عن ذلك وصول إجمالي هذه الاحتياطيات إلى 1.68 تريليون ريال بنهاية الربع الثالث من العام الحالي وهو مستوى قياسي إذا ما قورن برصيد عام 2002 م والذي قارب 200 مليار ريال.

من جانب آخر، نجد أن تبني مثل هذه السياسة من قبل المؤسسة له أبعاد إستراتيجية هامة. فالمملكة بحكم أنها مازالت تعتمد بنسبة كبيرة على النفط كمصدر رئيسي للدخل، فإن نسبة انكشافها لمخاطر التذبذب في أسعار النفط في الأسواق تعتبر كبيرة نسبياّ. وخير دليل على ذلك وصول أسعار النفط الخام في بورصة لندن إلى مستوى 46.55 دولار للبرميل في تعاملات يوم الأربعاء الماضي الموافق 19/11/2008 بعد أن وصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق فوق 147 دولار للبرميل في منتصف شهر يوليو الماضي.

ولكن تجدر الإشارة هنا إلا أن وصول إجمالي الموجودات الأجنبية إلى هذا المستوى أصبح يشكل عبئاً كبيراً ومسئولية ثقيلة على عاتق صناع القرار في المؤسسة حيث أنه يزيد من أهمية إيجاد استراتيجيات واضحة ومحددة لإدارة هذه الاحتياطيات. إضافة إلى ذلك، فإن إدارة هذه الاحتياطيات تتطلب نظم للحوكمة توضح الأدوار والمسئوليات والأهداف الخاصة بالجهة المسئولة عن إدارة هذه الاحتياطيات من جهة، وتحدد كيفية إيجاد نظام رقابي وآليات للمراجعة ومتابعة الأداء ومستوى الشفافية والإفصاح المطلوبة من جهة أخرى.

عاصم عبدالله دانش

http://www.aleqt.com/2008/11/24/article_167415.html

published-article